فيتنامي يرفض عرض جامعة هارفارد ويعود إلى المستشفى.

بعد تلقيه دعوة بحثية من جامعة هارفارد قرر الدكتور دوونغ ثانه تاي تغيير مساره، والعودة إلى المستشفى الكتابة مهنة في الطب السريري تركز على المرضى
بعد تلقيه عرضًا بحثيًا من جامعة هارفارد – رمز التميز الأكاديمي العالمي – أُتيحت للدكتور دوونغ ثانه تاي فرصة يحلم بها العديد من العلماء . وبدلًا من الانخراط في مسيرة بحثية أكاديمية مرموقة، اختار مسارًا مختلفًا، فعاد إلى بيئة المستشفى، حيث يجب أن يجيب كل إنجاز أكاديمي على الفور على السؤال: “كيف يفيد هذا الإنجاز المرضى؟”
لم يكن هذا القرار مفاجئاً للمهنيين فحسب، بل عكس أيضاً بوضوح الفلسفة التعليمية والأكاديمية التي اتبعها: يجب ربط المعرفة بالممارسة وحل المشكلات في العالم
لقد فتحت اثنتا عشرة سنة من الدراسة والعمل في آن واحد أبواباً للبحث في كندا والولايات المتحدة.
وُلد الدكتور دوونغ ثانه تاي عام ١٩٨٦ في تاي نغوين. وفي عام ٢٠٠٢، انتقلت عائلته بأكملها إلى بين هوا، دونغ ناي ، ما شكّل نقطة تحوّلٍ رئيسية في سنوات مراهقته. في ذلك الوقت، كان يشعر دائمًا بضرورة بذل جهدٍ مضاعفٍ لكي لا يتخلّف عن أقرانه . غرسَت تلك السنوات فيه الانضباط والمثابرة، والإيمان بأنّ التعليم هو السبيل الوحيد لتغيير حياته.
اجتاز امتحان القبول في تخصص الفيزياء بجامعة العلوم – جامعة فيتنام الوطنية في مدينة هو تشي منه. كانت سنواته الجامعية الأولى بمثابة صدمة كبيرة له من حيث أساليب التعلم وصعوبة المواد الدراسية. وبينما انسحب العديد من أصدقائه، اختار البقاء، وغيّر أسلوبه في التعلم، وحصل باستمرار على منح دراسية.
في عام 2009، وبعد 10 أيام فقط من دفاعه عن أطروحته، بدأ العمل في قسم الأورام بمستشفى دونغ ناي العام كمهندس فيزياء طبية.
” كان الانتقال من قاعة المحاضرات إلى غرفة العلاج الإشعاعي بمثابة صدمة حقيقية. لم تعد المشكلة مجرد مسألة نظرية، بل أصبحت مرتبطة بمرضى حقيقيين؛ فالأخطاء تعني عواقب وخيمة”، هكذا روى. ومع ذلك، فقد ساعدته البيئة السريرية على إدراك أن الفيزياء ليست مجرد علم بحت، بل هي الأساس المباشر للعلاج الحديث.
بعد أن أدرك أن معرفته الجامعية غير كافية للتعامل مع الحالات السريرية المعقدة، عاد إلى الدراسة للحصول على درجة الماجستير ثم الدكتوراه، مع استمراره في العمل بدوام كامل في المستشفى. وبهذه الطريقة، أمضى تاي 12 عامًا في الدراسة والعمل في آن واحد.
شارك الدكتور دوونغ ثانه تاي في دورة تدريبية مكثفة حول تقنيات العلاج الإشعاعي بتقنية SBRT في جامعة UT Southwestern بالولايات المتحدة الأمريكية.
ركزت أطروحته للدكتوراه على حل مشكلة ملحة في المستشفى في ذلك الوقت: كيفية تطبيق العلاج الإشعاعي المعدل الشدة (IMRT) على المسرعات الخطية القديمة التي تفتقر إلى مجمعات متعددة الأوراق (MLCs).
لحل هذه المشكلة، استخدم طريقة مونت كارلو لمحاكاة المُسرِّع وإعادة حساب الجرعة لضمان دقة مطلقة. ومن خلال قاعدة البيانات الموثوقة هذه، نجح في تطبيق تقنية JO-IMRT. يُتيح هذا الحل لمرضى سرطان الرأس والرقبة في دونغ ناي الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، مما يُقلل بشكل كبير من المضاعفات أثناء العلاج.
خلال مسيرته البحثية، سعى بنشاط إلى اغتنام الفرص وحصل على منح دراسية للمشاركة في دورات تدريبية مكثفة في المركز الدولي للفيزياء النظرية (ICTP، إيطاليا). وقد شكلت القاعدة المعرفية المتينة التي اكتسبها خلال هذه الفترة عاملاً حاسماً، إذ فتحت له الباب لمتابعة أبحاث ما بعد الدكتوراه في كندا.
في جامعة ويسترن أونتاريو (كندا)، شارك دوونغ ثانه تاي في مشاريع حول العلاج الإشعاعي الموجه. وهناك، أدرك فرقاً جوهرياً: لم يكن الأمر يتعلق فقط بالصواب، بل بالابتكار؛ لم يكن الأمر يتعلق فقط بالدقة، بل بالتحسين.
وقال: “لقد عاملني أستاذي المشرف كشريك، وكان يسأل باستمرار “لماذا؟” و “هل هناك طريقة أفضل؟” وقد أجبرني ذلك على التفكير النقدي وأن أصبح أكثر ثقة في دراستي “.
قادته هذه الأسس إلى فرصته التالية – عرض بحثي لما بعد الدكتوراه من جامعة هارفارد.
رفض جامعة هارفارد: نقطة تحول شكلت مسيرة المثقفين الفيتناميين.
عندما تلقى عرضًا بحثيًا من جامعة هارفارد – وهي فرصة يحلم بها الكثيرون – اتخذ الدكتور دوونغ ثانه تاي قرارًا مختلفًا. فبدلاً من مواصلة مساره البحثي البحت، اختار العودة إلى بيئة المستشفى.

بعد سنوات طويلة من الابتعاد عن المستشفى، أدركت أنني أفتقد البيئة السريرية. هناك، كانت كل مشكلة تظهر بمثابة سؤال أكاديمي حيّ،” قال. وتساءل: ما جدوى البحث إن لم ينبع من واقع العلاج؟
بدلاً من مواصلة المسار الأكاديمي البحت، سافر إلى الولايات المتحدة للعمل كفيزيائي طبي سريري في مركز آبين للسرطان بمستشفى سبنسر. لم يكن هذا بالنسبة له مجرد منعطف عابر، بل خياراً تعليمياً عميقاً: فالأوساط الأكاديمية يجب أن تكون متصلة بالحياة، والمعرفة يجب أن تحل مشاكل حقيقية.
يشغل الدكتور دوونغ ثانه تاي حاليًا منصب أخصائي علاج طبيعي طبي في مركز آبين للسرطان. وهو مسؤول عن تقييم واعتماد خطط العلاج الإشعاعي، ومعايرة الأجهزة، والإشراف على التقنيات المتقدمة مثل العلاج الإشعاعي التجسيمي للجسم (SBRT) والجراحة الإشعاعية التجسيمية (SRS).
قال: “هنا، لا يكفي أداء العمل على أكمل وجه؛ بل يجب أيضاً الالتزام بالقانون والإجراءات ومعايير السلامة” . أكثر ما يُثير اهتمامه ليس التكنولوجيا، بل اللحظة التي يقرع فيها المريض الجرس معلناً انتهاء علاجه.



