جودة لطفى يكتب : من الآخر أوهام القوة فى الحرب الإيرانية الأمريكية

ليست الحرب على إيران حدثاً طارئاً في سجلّ الصراعات الدولية، بل هي نتيجة تراكم طويل من السياسات، والتصورات، والرهانات الخاطئة. لكنها، في لحظتها الراهنة، تكشف ما هو أخطر من مجرد مواجهة عسكرية: تكشف خللاً بنيوياً في فهم من يقود القرار في واشنطن، ومن يندفع لتنفيذه، ومن يدفع كلفته.
في التحليل السياسي، تبدو الصورة بسيطة رئيس أمريكي قرر الذهاب إلى الحرب، مدفوعاً بتحالف وثيق مع إسرائيل، وبقناعة أن القوة وحدها قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. لكن هذه الرواية، رغم جاذبيتها، تخفي أكثر مما تكشف. فالدولة الأمريكية ليست قراراً رئاسياً فقط، بل شبكة مصالح متشابكة، تمتد من البنتاغون إلى الاستخبارات، ومن شركات السلاح إلى دوائر المال. هذه الشبكة لا تحتاج إلى أن تكون “مؤامرة” كي تفرض اتجاهها، يكفي أنها تملك أدوات الاستمرار.
من هنا، لا يمكن فهم الحرب على إيران خارج هذا الإطار. فالضغط على طهران لم يبدأ مع دونالد ترامب، ولن ينتهي معه. هو جزء من عقيدة أمريكية ترى في إيران لاعباً غير قابل للاحتواء الكامل، ويجب بالتالي إضعافه أو كسره. الجديد ليس في الهدف، بل في الطريقة: الانتقال من الاحتواء إلى المواجهة المفتوحة، ومن إدارة التوازن إلى محاولة فرض الاستسلام
عمداً، هو أن الحروب لا تُدار بالرغبات وحدها. إيران ليست هدفاً سهلاً، لا بحجمها الجغرافي، ولا بتركيبتها السياسية، ولا بقدرتها على امتصاص الضربات. بل إن ما حدث حتى الآن يشير إلى نتيجة معاكسة: كلما اشتد الضغط الخارجي، ازداد التماسك الداخلي. الرهان على تفجير الشارع الإيراني سقط، كما سقطت قبله رهانات مشابهة في تجارب أخرى.
الأخطر من ذلك أن هذه الحرب لم تبقَ داخل حدودها. ضرب القواعد، تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ارتفاع أسعار النفط، كلها مؤشرات على أن الصراع بدأ يخرج عن السيطرة. وحين يصل سعر الطاقة إلى حافة الانفجار، لا تعود المسألة إقليمية، بل تتحول إلى أزمة عالمية تمسّ الاقتصاد قبل السياسة.
الانقسامات الداخلية في أمريكا
في الداخل الأمريكي، بدأت الشقوق بالظهور بوضوح. لم يعد الاعتراض مقتصراً على الديمقراطيين، بل امتد إلى قلب المعسكر الجمهوري نفسه. أصوات كانت حتى وقت قريب جزءاً من ماكينة ترامب السياسية، بدأت تتساءل: ما الذي نفعله في هذه الحرب؟ وما هي نهايتها؟ هذا السؤال، في حد ذاته، مؤشر خطير، لأنه يعكس غياب الرؤية أكثر مما يعكس اختلافاً في المواقف.
البعد الديني والسياسي للصراع
أما البعد الأكثر إرباكاً في هذه الحرب، فهو ذلك التداخل بين السياسة والعقيدة. حين تتحول الصراعات الجيوسياسية إلى معارك محمّلة برموز دينية، تفقد جزءاً كبيراً من قابليتها للحل. في هذا السياق، لم تعد الحرب تُقدَّم فقط كضرورة أمنية، بل كجزء من سردية أوسع، تتجاوز الحسابات التقليدية، وتدخل في منطقة يصعب ضبطها أو احتواؤها.
الأهداف الخفية
مع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما أُعلن من أهدافها، بل ما لم يُعلن. فإعادة تشكيل المنطقة، والتحكم بمسارات الطاقة، وإعادة تثبيت الهيمنة الاقتصادية، كلها أهداف حاضرة في الخلفية، حتى وإن لم تُطرح بشكل مباشر. لكن التجارب السابقة تقول إن مثل هذه المشاريع نادراً ما تسير كما خُطط لها، وغالباً ما تنتهي بنتائج عكسية.
في المحصلة، تبدو الحرب على إيران كأنها لحظة التقاء بين ثلاثة أوهام: وهم القدرة على الحسم السريع، وهم إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، ووهم التحكم بمسار التصعيد. هذه الأوهام قد تدفع بالحرب إلى الأمام، لكنها لا تضمن نهايتها.

السؤال الحقيقي لم يعد: من سيبدأ الحرب، فقد بدأت بالفعل. بل: من يستطيع إيقافها، ومتى؟
وهنا تكمن المفارقة القاسية: من يملك قرار الإشعال، ليس بالضرورة من يملك قرار الإطفاء.




