الدكتور أحمد علي عثمان يكتب: السَّلام عليكم.. تحيّة الإسلام التي تبني الإنسان والحضارة
ليست عبارة «السلام عليكم» مجرد تحية عابرة تُقال عند اللقاء، بل هي مفهوم حضاري متكامل، يجمع بين المعنى الروحي والبعد الإنساني والاجتماعي، ويؤسس لعلاقات قائمة على الأمان والاحترام المتبادل.
ففي الفكر الإسلامي، تحمل هذه الكلمة دلالات عميقة تبدأ من كونها دعاءً بالأمن والسلامة، وتمتد لتشمل الرحمة والبركة، فهي إعلان رمزي بأن الآخر في أمان من الأذى، وأن العلاقة معه تقوم على الخير لا الصراع.
ويُعدّ “السلام” في اللغة اسمًا من أسماء الله الحسنى، ومعناه السلامة من كل نقص وعيب، وهو في الوقت نفسه نقيض الحرب والخصومة، ما يجعل التحية الإسلامية محمّلة برسالة قيمية تتجاوز حدود اللفظ إلى بناء ثقافة مجتمعية قائمة على السكينة.
وقد أكد القرآن الكريم والسنة النبوية على مكانة هذه التحية، إذ أمر الله بردّ التحية بأحسن منها أو مثلها، كما حثّ النبي ﷺ على إفشاء السلام بين الناس، وجعله سببًا للمحبة والإيمان، فقال: «أفشوا السلام بينكم».
وتشير النصوص الشرعية إلى أن السلام كان تحية الأنبياء والمرسلين، بدءًا من آدم عليه السلام، مرورًا بإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وصولًا إلى النبي محمد ﷺ الذي جعله شعارًا للأمة الإسلامية ورسالةً في مخاطباته وكتبه إلى الملوك.
ولا يقتصر أثر السلام على الجانب الديني فقط، بل يمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية مثبتة، حيث تؤكد الدراسات الحديثة أن الكلمات الإيجابية مثل التحية تقلل من التوتر وتزيد من مشاعر الطمأنينة والتواصل الإنساني، كما تسهم في بناء الثقة داخل المجتمعات وبيئات العمل.
وفي ظل تسارع الحياة الحديثة واتساع الفجوة بين الأفراد، تكتسب هذه التحية أهمية مضاعفة، إذ تُعد مفتاحًا لكسر الحواجز النفسية وإعادة بناء جسور التواصل الإنساني، بما يعزز قيم السلم الاجتماعي.
كما تمثل «السلام عليكم» في جوهرها إعلانًا ضمنيًا بالاحترام وعدم الاعتداء، وهو ما يجعلها أحد أهم رموز الأمن المجتمعي غير المعلنة، وأبسط أدوات بناء العلاقات الإنسانية المستقرة.
وهكذا، تتجاوز هذه الكلمة كونها تحية يومية، لتصبح منهجًا في الحياة، يقوم على نشر السلام الداخلي والخارجي، ويؤسس لمجتمع أكثر تماسكًا ورحمةً وإنسانية، حيث يصبح السلام سلوكًا قبل أن يكون لفظًا، ومنهجًا قبل أن يكون عادة.
د/ أَحْمَد عَلِي عُثْمَان
المَوْسُوعَةُ الإِنْسَانِيَّةُ العَالَمِيَّة




