تحقيقات وتقارير

الدكتور  أحمد أبوسيد خبير الطاقة والبيئة والاقتصاد الأخضر : تداعيات أزمة الطاقة بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران. الطاقة ليست سلعة منفصلة عن الاقتصاد، بل هي الدم الذي يجري في عروق كل قطاع

كتبت : سارة الجمل

في أعقاب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لم تعد أزمة الطاقة مجرد ارتفاع في سعر برميل النفط أو فاتورة وقود عابرة، بل تحولت إلى صدمة مركبة تضرب سلاسل الإمداد، والصناعة، والزراعة، والنقل، وأسعار الغذاء، ومعدلات التضخم. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز المسال والأسمدة، أصبح في قلب المعادلة الاقتصادية العالمية. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الاضطرابات في الشرق الأوسط وقيود حركة الناقلات عبر هرمز أدت إلى واحدة من أكبر صدمات الإمداد النفطي، بينما يتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة والسلع والأسمدة خلال 2026 بصورة تضغط على النمو العالمي. 

س: دكتور أحمد، لماذا تحولت هذه الحرب سريعًا إلى أزمة طاقة عالمية؟
ج: لأن الطاقة ليست سلعة منفصلة عن الاقتصاد، بل هي الدم الذي يجري في عروق كل قطاع. حين يتعطل النفط أو الغاز في منطقة حساسة مثل الخليج، لا يتأثر البنزين وحده، بل تتأثر الكهرباء، والنقل البحري، والمصانع، والمزارع، وأسعار الغذاء. مضيق هرمز تحديدًا ليس مجرد ممر مائي، بل شريان استراتيجي؛ فقد مثّل في 2024 وما بعده نحو خمس استهلاك العالم من السوائل البترولية، ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. لذلك فإن أي اضطراب فيه ينتقل فورًا من الجغرافيا إلى جيب المواطن. 

س: هل المشكلة في نقص النفط فقط؟
ج: لا، وهذا هو الخطأ الشائع. النفط هو العنوان الصاخب للأزمة، لكنه ليس القصة كلها. لدينا غاز طبيعي مسال، ومشتقات بترولية، ونافتا تدخل في البتروكيماويات، ووقود طائرات، وديزل للنقل والشاحنات، وغاز يستخدم في إنتاج الأسمدة. عندما تقول لي إن أسعار الطاقة ارتفعت، فأنا أسمع خلفها ارتفاعًا في تكلفة الخبز، والدواء، ومواد البناء، والملابس، وحتى عبوة البلاستيك الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد.

س: كيف تنتقل الأزمة إلى الصناعة؟
ج: الصناعة تأكل الطاقة كما يأكل الإنسان الخبز. مصانع الأسمنت والحديد والألومنيوم والزجاج والبتروكيماويات تعتمد على الطاقة إما كوقود مباشر أو كمادة خام. وكالة الطاقة الدولية لفتت إلى أن الخليج ينتج حوالي 8% من الألومنيوم العالمي، وأن كميات كبيرة منه تمر عبر هرمز، كما أن الكبريت، المستخدم في الأسمدة والكيماويات وتكرير البترول وبعض المعادن الحرجة، يتأثر هو الآخر بحركة الشحن في المنطقة. إذن الأزمة لا ترفع تكلفة التشغيل فقط، بل قد تعطل سلاسل إنتاج كاملة. 

س: وماذا عن الزراعة؟ البعض لا يربط بين الحرب والطماطم والقمح.
ج: هنا نرى الوجه الخفي للأزمة. الزراعة الحديثة تعتمد على الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية، وإنتاج الأسمدة يحتاج إلى الغاز الطبيعي، خصوصًا اليوريا والأمونيا. تقارير معهد بحوث سياسات الغذاء الدولي تشير إلى أن قيود الشحن عبر هرمز رفعت أسعار الطاقة والأسمدة، وأن استمرارها قد يقلل استخدام المزارعين للأسمدة، وبالتالي يخفض الغلة الزراعية ويرفع مخاطر الأمن الغذائي، خصوصًا في الدول المستوردة. بمعنى بسيط: إذا ارتفع الغاز، ارتفع السماد؛ وإذا ارتفع السماد، ارتفعت تكلفة الفدان؛ وإذا ارتفعت تكلفة الفدان، وصل السعر النهائي أعلى إلى المستهلك. 

س: هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى موجة تضخم عالمية جديدة؟
ج: نعم، وبوضوح. البنك الدولي يتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة بنسبة 24% في 2026، وأن ترتفع أسعار السلع عمومًا بنسبة 16%، مدفوعة بالطاقة والأسمدة والمعادن. الأخطر أن التضخم هنا ليس ناتجًا عن طلب زائد فقط، بل عن صدمة عرض: سلعة ناقصة، شحن أغلى، تأمين أعلى، ومخاطر جيوسياسية أكبر. هذا النوع من التضخم صعب على البنوك المركزية، لأن رفع الفائدة لا يفتح مضيقًا مغلقًا ولا يصلح منصة غاز متضررة. 

س: أين تقف مصر والدول النامية في هذه المعادلة؟
ج: الدول النامية تدفع الثمن مرتين: مرة عند استيراد الطاقة أو الغذاء بأسعار أعلى، ومرة عند زيادة تكلفة التمويل بسبب التضخم والفائدة. بالنسبة لمصر، التأثير قد يظهر في فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية، وفي تكلفة تشغيل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي أسعار الأسمدة، وفي الضغط على ميزان المدفوعات. كما أن اضطراب طرق الملاحة في المنطقة يظل عاملًا حساسًا لقناة السويس، لأن التجارة العالمية لا تحب الخوف؛ السفينة حين تخاف تغير طريقها، والاقتصاد حين يخاف يدفع أكثر.

س: هل الحل أن نسرع فقط نحو الطاقة المتجددة؟
ج: الطاقة المتجددة جزء أساسي من الحل، لكنها ليست عصا موسى. المطلوب مزيج ذكي: شمس ورياح، كفاءة طاقة، تخزين كهربائي، شبكات قوية، غاز كوقود انتقالي عند الضرورة، وتوطين صناعات مثل الأسمدة الخضراء والهيدروجين الأخضر حين تصبح اقتصادية. أمن الطاقة في المستقبل لن يعني امتلاك برميل نفط فقط، بل امتلاك قدرة على تنويع المصادر، وخفض الهدر، وإدارة الطلب، وحماية سلاسل الإمداد.

س: ما الدرس الأكبر من هذه الأزمة؟
ج: الدرس أن الطاقة لم تعد ملفًا فنيًا في أدراج الوزارات، بل قضية أمن قومي واقتصاد وغذاء وعدالة اجتماعية. الدولة التي لا تملك رؤية للطاقة ستكتشف في أول حرب أن مصنعها ومزرعتها وموازنتها العامة كلهم يقفون على نفس السلك المكشوف. والأزمة تقول لنا بصرامة: المستقبل لن يرحم من يستهلك بلا تخطيط، ويستورد بلا بدائل، ويبني اقتصاده على طريق واحد ومورد واحد وممر واحد.
ودا حوار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى