مقالات

الدكتور حسام عبدالغفار، يكتب : الرقمُ الذي لا يكفي

هناك إغراءٌ خفيٌّ في الأرقام.. إغراءٌ يجعلنا نظن أن رقمًا واحدًا قادرٌ أن يحكم على نظامٍ صحيٍّ بأكمله.. نسبةُ الإنفاق من الناتج المحلي، رقمٌ أنيق، وسهلُ التداول، يُختزَل فيه الجدل، وتُبنى عليه الأحكام، لكن الرقم يصف، ولا يحكم.. يُخبرنا كم أنفقنا، لا ماذا جنينا.

الإنفاق مدخلٌ لا غاية.. أداةٌ لا نتيجة.. والمالُ حين يُصَبُّ في نظامٍ بلا جودة، يتسرّب هدرًا، ولا يبلغ صحةَ الناس.

العدالةُ الصحية أوسعُ من خانةٍ في موازنة؛ فهي أن تصل الخدمة إلى القرية، كما تصل إلى العاصمة.. أن لا يدفع المريض ثمنَ شفائه فقرًا.. أن يُقاس النظام بسنوات العمر التي يستردّها للناس، لا بالدولارات التي ينفقها عليهم.

والسؤال الحقيقي لا يختزل في، كم أنفقنا؟ بل أين وجّهنا الإنفاق؟

هنا تظهر المبادرات الرئاسية للصحة العامة بوصفها فلسفةً جديدة، وتحوّلٌ من علاجٍ يلاحق المرض، إلى وقايةٍ تسبقه.. «100 مليون صحة» لم تكن حملةَ فحصٍ عابرة، بل إعلانًا أن الكشف المبكر أرحمُ من العلاج المتأخر، وأرخصُ منه، فكلُّ جنيهٍ يُنفَق على الوقاية يوفّر أضعافه في علاجٍ مؤجَّل، هذا ليس تقشّفًا، بل حكمة.

واصلت مبادراتُ «100 مليون صحة» توسعها بإضافة صحة المرأة والطفل، والكشفُ المبكر عن أورام الثدي. فحصُ السمع لحديثي الولادة، وتدخّلاتٌ قليلةُ الكلفة، عظيمةُ الأثر، لأن العدالة الصحية تبدأ من اللحظة الأولى في العمر، قبل أن يصير المرض عبئًا.

وفوق هذا كله، يقف التأمين الصحي الشامل بوصفه الجواب الأعمق عن سؤال العدالة. ليس مجرد آليةٍ للتمويل، بل أداةٌ لإعادة توزيع الموارد توزيعًا تصاعديًّا. يحمل القادرُ فيه عن غير القادر. يُخفَّف العبء عن الأقل دخلًا. فلا يقف المالُ حائلًا بين الإنسان وحقّه في الشفاء.

والمبادراتُ والتأمينُ ليسا مسارين متوازيين، بل يدًا واحدة. تُقلّل المبادراتُ عبء المرض قبل دخوله المنظومة العلاجية، فتسند استدامة التأمين، وتُبقي تكاليفه في حدودٍ يحتملها الوطن.

هذا هو معنى الحق التدريجي في الصحة: التزامٌ تراكميٌّ، يُقاس بالمسار لا باللحظة. باتجاه السياسات، وأولويةِ من هم أشدُّ احتياجًا.

في النهاية، النظامُ الصحيُّ لا يُوزَن بما في خزائنه، بل بما في صحة أهله.

الرقمُ الواحد يطمئننا.. والحقيقةُ أعقدُ من أن يحملها رقم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى