الدكتور أحمد علي عثمان يكتب: لطائف البيان في هجره النبي العدناني
*الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ – المَعَانِي، الأَدِلَّة، التَّوْقِيت، الدُّرُوس، وَبِدَايَةُ عَامٍ هِجْرِيٍّ جَدِيدٍ 1448هـ*
—
*أَوَّلاً: مَعْنَى الهِجْرَةِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ*
*1. اللُّغَةُ:* الهِجْرَةُ مِنَ الهَجْرِ وَهُوَ التَّرْكُ. هَجَرَ الشَّيْءَ: تَرَكَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ.
*2. الشَّرْعُ:* الانْتِقَالُ مِنْ دَارِ الكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ فِرَاراً بِالدِّينِ. وَهِيَ نَوْعَانِ:
– *هِجْرَةٌ مَكَانِيَّةٌ:* كَهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ.
– *هِجْرَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ:* هِجْرَةُ المَعَاصِي. قَالَ ﷺ: “المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”.
*ثَانِياً: التَّوْقِيتُ الزَّمَانِيُّ لِلهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ*
*1. مَتَى وَقَعَتْ الهِجْرَةُ؟*
لم تكن الهجرة في 1 محرم. خرج النبي ﷺ من مكة يوم الخميس 27 صفر سنة 1 هـ. ووصل قباء يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 1 هـ. ودخل المدينة يوم الجمعة 12 ربيع الأول سنة 1 هـ الموافق 27 سبتمبر 622م.
*2. لِمَاذَا نَبْدَأُ العَامَ الهِجْرِيَّ بِالمُحَرَّمِ؟*
في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 17هـ، استشار الصحابة في وضع تاريخ للمسلمين. فاختاروا الهجرة أساساً لأنها فرقت بين الحق والباطل. واختاروا المحرم أول السنة لأنه منصرف الناس من الحج، وهو شهر حرام، وكان العرب يبدأون به سنتهم.
*3. كَمْ عَاماً مَرَّ عَلَى الهِجْرَةِ؟*
نحن الآن في عام 1448هـ.
1448 – 1 = 1447 عاماً هجرياً كاملاً مر على هجرة النبي ﷺ.
بالتقويم الميلادي: 2026م – 622م = 1404 سنة شمسية تقريباً.
*4. شَهْرُ المُحَرَّمِ: فَضْلُهُ وَتَسْمِيَتُهُ*
– *التَّسْمِيَةُ:* سُمِّي محرماً لتأكيد حرمته. والعرب كانوا يحرمون القتال فيه.
– *فَضْلُهُ:* قال ﷺ: “أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ”.
– *يَوْمُ عَاشُورَاءَ:* 10 محرم. نجى الله فيه موسى من فرعون. وصيامه يكفر سنة ماضية. والسنة صيام 9 و 10 أو 10 و 11 مخالفة لليهود.
*ثَالِثاً: الأَدِلَّةُ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الهِجْرَةِ*
*1. مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:*
– *آيَةُ الغَارِ:* {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة:40].
– *فَضْلُ المُهَاجِرِينَ:* {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ} [النحل:41].
– *البَيْعَةُ عَلَى الهِجْرَةِ:* {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72].
*2. مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:*
– *حَدِيثُ النِّيَّةِ:* “إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ”.
– *انْقِطَاعُ الهِجْرَةِ المَكَانِيَّةِ:* “لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ”. أي لا هجرة من مكة بعد فتحها لأنها صارت دار إسلام.
– *بَقَاءُ الهِجْرَةِ المَعْنَوِيَّةِ:* “المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”.
*رَابِعاً: الأَسْبَابُ وَالمَرْحَلِيَّةُ لِلهِجْرَةِ*
**المَرْحَلَةُ** **التَّارِيخُ** **السَّبَبُ**
**1. الإِذْنُ لِلصَّحَابَةِ** صيف السنة 13 للبعثة اشتداد الأذى. قال ﷺ: “أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ”
**2. بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةُ** ذو الحجة 13 للبعثة 73 رجلاً وامرأتان بايعوا على النصرة والحماية
**3. مُؤَامَرَةُ دَارِ النَّدْوَةِ** 26 صفر 1هـ اجتمعت قريش على قتل النبي ﷺ {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال:30]
**4. الخُرُوجُ مِنَ الغَارِ** 1 ربيع الأول 1هـ بعد 3 ليال في غار ثور
**5. الوُصُولُ لِلْمَدِينَةِ** 12 ربيع الأول 1هـ بداية التاريخ الإسلامي فعلياً
*خَامِساً: 12 دَرْساً مُسْتَفَاداً مِنَ الهِجْرَةِ لِبِدَايَةِ عَامِكَ 1448هـ*
1. *التَّخْطِيطُ وَالأَخْذُ بِالأَسْبَابِ:* النبي ﷺ خطط: علي ينام مكانه، دليل الطريق، الراحلة، إخفاء الأثر، الزاد. التوكل لا ينافي التخطيط. ابدأ عامك بخطة.
2. *التَّضْحِيَةُ:* تركوا الديار والأموال. صهيب الرومي ترك ماله كله لقريش. بداية العام: ماذا ستترك من معاصٍ لله؟
3. *الصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ:* أبو بكر “ثاني اثنين”. اختر صديق عامك الهجري من يعينك على الله.
4. *الثِّقَةُ بِاللهِ:* “مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا”. في الشدة قل: {إِنَّ اللهَ مَعَنَا}.
5. *الأَمَانَةُ:* ترك علياً ليرد الودائع. رغم عداوتهم لم يخن الأمانة. ابدأ عامك برد الحقوق.
6. *دَوْرُ المَرْأَةِ:* أسماء ذات النطاقين تحمل الطعام. المرأة شريكة في بناء الأمة.
7. *دَوْرُ الشَّبَابِ:* علي 23 سنة نام مكان النبي، وعبد الله بن أبي بكر 21 سنة ينقل الأخبار. أنت ما دورك هذا العام؟
8. *المُؤَاخَاةُ:* أول عمل في المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار. أزل من قلبك حسداً على أحد وابدأ عامك بالحب.
9. *بِنَاءُ المَسْجِدِ:* أول بناء هو المسجد. اجعل أول عهدك بالعام: صلاة الفجر في المسجد.
10. *وَثِيقَةُ المَدِينَةِ:* أول دستور مدني. الهجرة تعلمنا التعايش وبناء الدولة.
11. *الأَمَلُ:* في عز المطاردة يبشر سراقة بسواري كسرى. لا تيأس، فبعد العسر يسراً.
12. *الهَوِيَّةُ:* الهجرة فرقت بين مرحلتين. اجعل 1 محرم 1448هـ نقطة فرق في حياتك. ما الذي ستهجره من ذنوب؟
*سَادِساً: كَيْفَ تَجْعَلُ 1448هـ عَامَ هِجْرَةٍ لَكَ؟ “هِجْرَتُكَ الخَاصَّةُ”*
الهجرة لم تنقطع بمعناها الأوسع. قال ابن القيم: “الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهجرة بالقلب إلى الله ورسوله”.
*جَدْوَلُ الهِجْرَةِ السَّنَوِيَّةِ 1448هـ:*
**مَاذَا تَهْجُرُ؟** **إِلَى مَاذَا تُهَاجِرُ؟** **دَلِيلُكَ**
**1. هَجْرُ الغَفْلَةِ** إِلَى ذِكْرِ اللهِ “المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”
**2. هَجْرُ الكَسَلِ** إِلَى العَمَلِ وَالإِتْقَانِ “احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ”
**3. هَجْرُ القَطِيعَةِ** إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ “لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ”
**4. هَجْرُ الذُّنُوبِ السِّرِّيَّةِ** إِلَى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً}
**5. هَجْرُ الجَوَّالِ عِنْدَ الفَجْرِ** إِلَى القُرْآنِ وَالصَّلَاةِ {قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}
*سَابِعاً: أَعْمَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي بِدَايَةِ العَامِ الهِجْرِيِّ*
1. *صِيَامُ المُحَرَّمِ:* وآكده يوم عاشوراء 10 محرم + يوم قبله أو بعده.
2. *المُحَاسَبَةُ:* قال عمر: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا”. اجلس ليلة 1 محرم واكتب: 3 ذنوب أهجرها، 3 طاعات أهاجر إليها.
3. *الدُّعَاءُ:* لم يثبت دعاء مخصوص لبداية السنة، لكن ادع: “اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ”.
4. *التَّوْبَةُ:* شهر الله المحرم موسم للتوبة. قال علي: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً مِنْ المُحَرَّمِ إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثُونَ يَوْماً”.
5. *الصَّدَقَةُ:* ابدأ عامك بعطاء. كانت الهجرة قائمة على البذل.
*الخَاتِمَةُ: رِسَالَةُ 1448هـ*
الهجرة لم تكن هروباً، بل كانت بحثاً عن أرض خصبة للدعوة. كانت انتقالاً من الاستضعاف إلى التمكين. من كلمة “لا” إلى كلمة “نعم”.
عامك 1448هـ هو هجرتك أنت. من نسختك القديمة إلى نسختك التي يرضاها الله.
{لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر:37]. فاختر التقدم.
*كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ مُهَاجِرٌ إِلَى اللهِ*
*1448هـ – عَامُ الهِجْرَةِ إِلَى الأَفْضَلِ*
د / أحمد علي عثمان- الموسوعه الإنسانيه العالميه




