أخبار

الفيروسات الناشئة… بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وتحليلات متسرعة تتحدث أحياناً عن «الجائحة القادمة» قبل أن تكتمل الصورة العلمية للحدث.

«الوباء المعلوماتي»

وخلال الأشهر الأخيرة عاد هذا المشهد إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن فيروس هانتا في الأميركتين، واستمرار متابعة تفشيات إيبولا في أفريقيا، إلى جانب التحذيرات المتكررة من فيروس نيباه في جنوب وجنوب شرقي آسيا، وهو أحد الفيروسات التي لا تزال تحظى بمتابعة علمية مكثفة عالمياً.

وقد أسهمت جائحة كوفيد-19 في رفع مستوى الحساسية المجتمعية تجاه أي خبر يتعلق بفيروس جديد، حتى أصبح مجرد ظهور اسم غير مألوف كفيلاً بإثارة موجة من التساؤلات، والمخاوف. إلا أن المشكلة لا تكمن في الاهتمام بهذه الأخبار، بل في الطريقة التي تُتداول بها المعلومات؛ إذ تختلط الحقائق العلمية بالإشاعات، والتفسيرات غير المتخصصة، ويجد الجمهور نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة التي يصعب التحقق من دقتها.

شكل تصويري لخلية فيروس كورونا المستجد من سلالة «أوميكرون»
شكل تصويري لخلية فيروس كورونا المستجد من سلالة «أوميكرون»

وتصف منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة بمصطلح «الوباء المعلوماتي» (Infodemic)، أي الانتشار السريع للمعلومات الصحيحة والخاطئة في الوقت نفسه، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. وخلال متابعتنا اليومية للأخبار الصحية العالمية، نلاحظ أن كثيراً من النقاشات حول الفيروسات الناشئة لا تتركز على الحقائق العلمية بقدر ما تتركز على الانطباعات، والمخاوف، والتوقعات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة متزنة للأحداث الصحية الجارية، وتستند إلى الأدلة العلمية، بعيداً عن التهويل الذي يصنع الذعر، وعن التهوين الذي قد يؤدي إلى تجاهل المخاطر الحقيقية.

فيروسات ناشئة

• من أين تأتي الفيروسات الناشئة؟ عندما يتحدث العلماء اليوم عن الفيروسات التي تثير القلق العالمي، فإنهم يشيرون غالباً إلى ما يُعرف بالأمراض أو العدوى ذات المنشأ الحيواني (Zoonotic Diseases)، والتي تعتبر نقطة البداية لمعظم الفيروسات الناشئة، وهي الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نسبة كبيرة من الأمراض المعدية الناشئة خلال العقود الأخيرة كانت مرتبطة بانتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر عبر ما يُعرف بظاهرة «العبور بين الأنواع» (Spillover).

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 60 في المائة من الأمراض المعدية الناشئة المعروفة تتحدر من أصول حيوانية، بينما يرتربط بالحيوانات ما يقارب 75 في المائة من مسببات الأمراض الجديدة المكتشفة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيروس إيبولا الذي تُعد الخفافيش آكلة الفاكهة المستودع الطبيعي المرجح له، وفيروس نيباه المرتبط بخفافيش الفاكهة، وفيروس هانتا الذي تحمله بعض أنواع القوارض، إضافة إلى فيروسات أخرى مثل سارس، وكوفيد-19 اللذين يُعتقد أن أصلهما يعود إلى الخفافيش، مع وجود عوائل وسيطة محتملة، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) المرتبطة بالإبل.

وقد أدى هذا الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة إلى بروز مفهوم «الصحة الواحدة» (One Health)، وهو نهج عالمي يؤكد أن حماية صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن حماية الحيوانات، والبيئة، والنظم البيئية التي يعيش فيها الجميع.

• لماذا يشهد العالم ظهوراً متكرراً لفيروسات جديدة؟ يرى كثير من الناس أن العالم أصبح يواجه فيروسات جديدة بوتيرة متسارعة، والحقيقة أن هذا الانطباع يعود إلى عاملين رئيسين؛ الأول يتمثل في زيادة فرص ظهور الأمراض الناشئة نتيجة التغيرات البيئية، والبشرية. والثاني يتمثل في التحسن الكبير في قدرة العلماء على اكتشافها، ورصدها.

إن التوسع العمراني، وإزالة الغابات، والتغير المناخي، والتجارة بالحيوانات البرية، وزيادة الاحتكاك بين الإنسان والحياة الفطرية، كلها عوامل تزيد من فرص انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. كما أن السفر الدولي السريع، والتواصل العالمي الكثيف جعلا انتقال الأمراض عبر الحدود أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي.

«هانتا» و«إيبولا» و«نيباه»

لماذا تثير هذه الفيروسات القلق؟ رغم أن هذه الفيروسات تُذكر كثيراً في وسائل الإعلام، فإن لكل واحد منها خصائص مختلفة من حيث مصدر العدوى، وطريقة الانتقال، ومستوى الخطورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى