سباق الشرائح الدماغية.. جبهة تنافس جديدة بين واشنطن وبكين

لم تعد المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والروبوتات والسيارات الكهربائية، إذ بدأت جبهة جديدة في الظهور داخل واحدة من أكثر المجالات العلمية حساسية، وهي واجهات الدماغ والحاسوب والشرائح الدماغية.
وتفتح هذه التكنولوجيا الباب أمام تحويل الإشارات العصبية داخل الدماغ إلى أوامر يمكن لأجهزة الكمبيوتر والروبوتات والأطراف الصناعية فهمها وتنفيذها، بما قد يسمح مستقبلًا للأشخاص المصابين بالشلل بتحريك أطراف صناعية أو التحكم في أجهزة خارجية بمجرد التفكير.
لكن ما كان حتى وقت قريب مجالًا تجريبيًا محدودًا داخل المختبرات بدأ يتحول تدريجيًا إلى قطاع تكنولوجي و طبي يحمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية، في وقت تتسابق فيه واشنطن وبكين على امتلاك موقع متقدم في صناعة قد تصبح من أهم تقنيات المستقبل.
حققت الصين خلال 2026 خطوة مهمة في هذا السباق، بعدما حصل جهاز NEO الذي طورته شركة Neuracle الصينية على موافقة تنظيمية للاستخدام التجاري، ليصبح أول جهاز دماغي مزروع يحصل على موافقة من هذا النوع على مستوى العالم.
ويستهدف الجهاز المرضى الذين يعانون من فقدان القدرة على تحريك اليد نتيجة إصابات الحبل الشوكي، إذ يعتمد على جهاز صغير يُزرع على سطح الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية المرتبطة بمحاولة تحريك اليد.
بعد ذلك تُرسل الإشارات إلى نظام حاسوبي يعمل على فك شفرتها وتحويلها إلى أوامر، يمكن استخدامها لتشغيل جهاز مساعد مثل القفاز الروبوتي، بما يسمح للمريض بتنفيذ حركات يدوية مختلفة.
وفي يوليو 2026، انتقلت التكنولوجيا الصينية خطوة إضافية عندما أُجريت أول عملية زرع تجارية للجهاز في مستشفى هواشان التابع لجامعة فودان في شنغهاي، في تطور عكس انتقال واجهات الدماغ والحاسوب من مرحلة التجارب إلى الاستخدام السريري التجاري.
ولا تنظر بكين إلى هذه التطورات باعتبارها إنجازات طبية منفصلة، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تضم شركات التكنولوجيا والجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث والجهات التنظيمية، بهدف تسريع تطوير المنتجات ونقلها إلى السوق
في الجانب الآخر من السباق، تمتلك الولايات المتحدة مجموعة من الشركات التي أصبحت أسماء بارزة في صناعة واجهات الدماغ والحاسوب، وعلى رأسها شركة Neuralink التي أسسها إيلون ماسك، إلى جانب شركات أخرى مثل Synchron وPrecision Neuroscience وParadromics.
وتعمل هذه الشركات على تطوير تقنيات مختلفة لربط الدماغ بالأجهزة الإلكترونية، مع التركيز على تطبيقات من بينها استعادة القدرة على التواصل لدى الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام، والتحكم في أجهزة الكمبيوتر والأطراف الصناعية باستخدام النشاط العصبي.
وتتمتع الولايات المتحدة بميزة مهمة تتمثل في وجود قطاع تكنولوجي متقدم، وقاعدة قوية من شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة، إلى جانب خبرة طويلة في أبحاث علوم الأعصاب.
لكن المشكلة تكمن في أن تطوير الشرائح الدماغية لا يتوقف عند ابتكار التكنولوجيا، إذ يتطلب الأمر سنوات من التجارب السريرية وإجراءات تنظيمية معقدة قبل السماح باستخدام الأجهزة على نطاق واسع.




