مقالات

الفقراء يدفعون فاتورة البيئة أولًا

لماذا أصبحت العدالة البيئية شرطًا للعدالة الاجتماعية؟

بقلم د. أحمد أبوسيد

ليست الأزمات البيئية موزعة بالعدل حتى لو بدا الهواء واحدا والحرارة واحدة والشارع واحدا في الظاهر. فحين تتدهور البيئة لا يتلقى الجميع الصدمة بالقدر نفسه ولا يملكون أدوات الاحتمال نفسها ولا يملكون المسافة نفسها للهرب من الخطر. هنا بالتحديد تبدأ المسألة في مغادرة نطاق “البيئة” بوصفها ملف فني أو إداري لتدخل قلب السياسة العامة، والاقتصاد والصحة والعدالة الاجتماعية. فالفقراء في أغلب المجتمعات لا يعيشون فقط عند حافة الهشاشة الاقتصادية بل عند حافة الخطر البيئي أيضًا.

تسمي الأدبيات الحديثة هذا التفاوت بـ العدالة البيئية أي السؤال البسيط والخطير معا : من يتحمل التلوث؟ ومن يدفع ثمن الحر؟ ومن يسكن قرب النفايات أو المياه الرديئة أو الطرق الأكثر ازدحاما؟ ومن يملك القدرة على التكيف حين تتفاقم الأزمة؟ الإجابة في كثير من الحالات ليست محايدة. فالأحياء الأقل دخلا غالبا ما تكون أقل خضرة وأكثر تزاحما وأضعف بنية تحتية وأقل وصولا إلى خدمات المياه والصرف والتبريد والنقل والصحة. لذلك حين تضرب موجات الحر أو يتراجع مستوى جودة الهواء أو تتسع فجوة المياه الآمنة تتحول البيئة من “خلفية” للحياة إلى عامل يعيد إنتاج الفقر نفسه.

ولعل أكثر الأمثلة مباشرة هو تلوث الهواء. فالصحة لا تتأثر فقط بوجود الملوثات بل أيضا بدرجة التعرض المزمن لها وبالقدرة على تجنبها وبوجود رعاية صحية قادرة على التدخل المبكر. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن تلوث الهواء واحد من أخطر المخاطر البيئية على الصحة وأن آثاره تمتد من أمراض الجهاز التنفسي إلى أمراض القلب والسكتات وبعض السرطانات كما أن الأطفال من بين الفئات الأكثر هشاشة تجاه هذا التعرض. وتشير المنظمة أيضًا إلى أن الغالبية الساحقة من سكان العالم يعيشون في أماكن لا تستوفي إرشادات جودة الهواء. لكن هذا الرقم العالمي العام يخفي تفاوتا طبقيا واضحا: فالفئات الأقل دخلا تكون غالبا أكثر قربا من الطرق المزدحمة والأنشطة الملوثة والسكن الرديء التهوية وأقل قدرة على شراء عوازل أو أجهزة تنقية أو الانتقال إلى مناطق أفضل. هكذا يصبح الهواء الرديء ضريبة غير معلنة على الفقر.

الأمر نفسه ينطبق على الحرارة الشديدة وهي اليوم واحدة من أكثر صور الأزمة المناخية التصاقا بالجسد اليومي للناس. فالحر لا يرهق الجميع بالطريقة نفسها. من يملك بيتا جيد العزل ومساحات خضراء حوله وتكييفا مستقرا وتأمنا صحيا وخيارات عمل مرنة ليس كمن يعيش في سكن مكتظ، ضعيف التهوية تحت أسطح خرسانية حابسة للحرارة ويعتمد في دخله على عمل ميداني أو يدوي. منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن موجات الحر باتت أشد تكرارا وحدة وطولا بسبب تغير المناخ وأن الفئات الهشة تتعرض لخطر أعلى على الصحة والرفاه. كما يوضح البنك الدولي وأبحاثه الحديثة حول حرارة المدن أن خفض التفاوت الحراري داخل المدن يتطلب استهداف الأحياء الأشد حرارة بالمساحات الخضراء والتخطيط الحضري العادل. بعبارة أوضح: الحرارة ليست مجرد طقس بل بنية عدم مساواة.

وفي المدن النامية على وجه الخصوص تبدو المستوطنات غير الرسمية والأحياء الفقيرة أكثر المواقع تعرضا لأثر المناخ وتدهور البيئة. تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وكذلك مواد برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية يؤكدان أن أسرع نمو في التعرض الحضري للمخاطر المناخية وقع في الأماكن التي تكون فيها القدرة على التكيف محدودة خصوصا في التجمعات غير المخططة وغير الرسمية. هذه المناطق غالبا ما تجمع بين ثلاثة عناصر قاتلة: ارتفاع التعرض وارتفاع الحساسية وضعف القدرة على التكيف. أي أنها تتلقى الضربة أولًا، وتتأذى أكثر وتملك أدوات أقل للنجاة منها. وهذا هو التعريف العملي للهشاشة.

ثم تأتي المياه والصرف الصحي بوصفهما الوجه الأكثر قسوة للتمييز البيئي. فحين نتحدث عن نقص المياه الآمنة أو سوء الصرف نحن لا نتحدث عن رفاهية خدمية بل عن صحة عامة وكرامة إنسانية وإنتاجية وفرص حياة. الأمم المتحدة تشير إلى أن مليارات البشر ما زالوا يفتقدون إلى مياه شرب مأمونة وخدمات صرف صحي مأمونة. والفجوة هنا لا تضرب الجميع بالقدر نفسه إذ تتضاعف كلفتها على المجتمعات الفقيرة من خلال المرض وتعطل التعليم وعبء الرعاية وسوء التغذية وتراجع الإنتاجية. الماء غير الآمن لا يخلق العطش فقط بل يخلق سلسلة متصلة من الإقصاء. ولذلك فإن أي سياسة مائية لا تنظر إلى الفقر بوصفه عامل هشاشة رئيسيًا، هي سياسة تدير الأزمة ولا تعالجها.

كما أن إدارة النفايات تقدم مثالا بالغ الوضوح على هذا الظلم البيئي. فالمجتمعات الأقل نفوذا سياسيا تكون في الغالب أقرب إلى مناطق التراكم أو الحرق أو الفرز غير الآمن أو البنية الأضعف لجمع المخلفات. تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة حول إدارة النفايات يوضح أن سوء الإدارة يحمّل المجتمعات أعباءً صحية وبيئية واقتصادية واسعة من تلوث الهواء والمياه والتربة إلى المخاطر المهنية والصحية على العاملين والسكان المجاورين. وفي الواقع لا تكون القمامة مجرد مشكلة نظافة بل علامة على ترتيب غير عادل للقيمة الإنسانية داخل المدينة: من يستحق بيئة مرتبة ومن يُطلب منه التعايش مع الأذى وكأنه أمر طبيعي.

هنا يجب أن نقول الحقيقة بلا تجميل: الفقر ليس فقط نقص دخل بل نقص قدرة على الاحتمال. وهذا ما تؤكده تقارير البنك الدولي حول العلاقة بين المناخ والفقر فالصدمات المناخية والبيئية لا تضرب الأسر الفقيرة لأنها “أضعف” فقط بل لأنها تملك مدخرات أقل وتأمينا أقل وسكنا أقل جودة ووصولا أضعف إلى الخدمات وبالتالي تكون أقل قدرة على التعافي بعد الصدمة. والأسوأ أن هذه الصدمات حين تتكرر لا تستهلك الحاضر فقط بل تلتهم المستقبل أيضا: طفل يتغيب عن المدرسة بسبب الحر أو المرض وأسرة تنفق أكثر على العلاج والطاقة والمياه وعامل ينخفض دخله بسبب الظروف المناخية، وحي كامل تتراجع قيمته وفرصه. هكذا تعمل البيئة كآلة صامتة لإعادة إنتاج اللامساواة.

من هنا، لا يجوز أن تبقى السياسة البيئية محصورة في لغة الانبعاثات والأهداف البعيدة وحدها رغم أهميتها. المطلوب هو تحويل العدالة البيئية إلى معيار تخطيط: أين نزرع الشجر أولا؟ أين نوجه التبريد الحضري؟ أي الأحياء تحتاج بنية صرف ومياه أسرع؟ كيف نصمم إسكانًا أقل تعرضًا للحر؟ كيف نحمي العمال في الخارج؟ كيف نربط الصحة العامة بالتخطيط العمراني والنقل والطاقة؟ العدالة البيئية ليست خطابا أخلاقيا فحسب بل أداة كفاءة أيضا لأن تجاهل الفئات الأشد هشاشة يضاعف كلفة الدولة لاحقًا في الصحة والإغاثة والطاقة والإنتاجية وإعادة التأهيل.

إن التنمية التي لا تبدأ من حماية الأكثر تعرضًا ليست تنمية كاملة بل ترتيب غير عادل للأولويات. وفي عالم يتغير مناخيا بسرعة لن يكون السؤال الحقيقي: هل لدينا سياسة بيئية؟ بل: لمن تعمل هذه السياسة أولًا؟ فإذا كانت الإجابة هي أنها تحمي من يملكون أصلا بدائل أكثر فنحن أمام إدارة أنيقة لعدم المساواة لا أمام عدالة. أما إذا بدأت من الحي الأشد حرارة والطفل الأشد تعرضا والعامل الأشد هشاشة والمنزل الأقل قدرة على الاحتمال فهنا فقط تصبح البيئة مشروع كرامة عامة لا رفاهية نخبوية.

البيئة في جوهرها ليست قضية أشجار وأنابيب وخرائط فقط. إنها سؤال عن قيمة الإنسان داخل المدينة وداخل الدولة. ولهذا أقول بوضوح: الفقراء لا يدفعون فاتورة البيئة أولا لأن الطبيعة منحازة ضدهم بل لأن السياسات كثيرا ما تكون كذلك. وهذه، لحسن الحظ ليست لعنة أبدية بل نتيجة اختيارات يمكن — ويجب — تغييرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى